آخر أيام المدينة.. قاهرةُ تنهار وحبيبة تَهْجُر وعالم عربي لن يعود كما كان

يأخذنا تامر السعيد في رحلة قصيرة ومجهدة من خلال فيلمه الروائي “آخر أيام المدينة” ليعرض لنا عدة مرثيات إنسانية واجتماعية من خلال سرديته الخاصة لمدينة القاهرة... الفيلم مازال في دار عرض: Wolf Kino (Weserstraße 59, 12045 Berlin - Neukölln)

von Asmaa Yousuf

Filmstill aus the „Last Days of the City“

(Read this text in English here.)

يأخذنا تامر السعيد في رحلة قصيرة ومجهدة من خلال فيلمه الروائي “آخر أيام المدينة” ليعرض لنا عدة مرثيات إنسانية واجتماعية من خلال سرديته الخاصة لمدينة القاهرة، حيث يلتقي أربعة أصدقاء المصور المصري خالد، واللبناني باسم، واللاجئ العراقي بألمانيا طارق، وحسن المتمسك بالعيش في بغداد تحت أي ظرف. تدور أحداث الفيلم في عام 2009 في أجواء تعكس بؤس مدينة القاهرة وتداعيها.

عالم مبارك الذي يعيش المصريون على هامشه

منذ المشهد الأول في الفيلم ولا تنفك تسمع خبر عن “سيادة الرئيس محمد حسني مبارك” الذي افتتح شيء هنا، أو سافر لتعزيز علاقة هناك، فأخباره تطاردك في كل مكان خاصة مذياع التاكسي الذي يستقله خالد في زياراته المتكررة لوالدته المريضة في المشفى، في نفس الوقت الذي تمر فيه الأخبار مرورًا سريعًا على ذكرى حريق بني سويف الذي راح ضحيته 50 مصري بينهم والد الفتاة مريم التي تحاول نسيان ما حدث من خلال إلقاء نفسها في خضم الحياة بالقاهرة والتي هي في نفس الوقت إحدى بطلات الفيلم الذي يحاول خالد صناعته.

عار اللجوء أم الموت في بقايا وطن كالعراق؟ ومدينة خانقة كبيروت؟

يتناول الفيلم مسألة اللجوء والتي لم تكن تحظى وقتها بنفس الاهتمام الذي تناله الآن، فطارق الشاب العراقي الذي هرب من الحرب إلى ألمانيا ويعيش كلاجئ في برلين محروم من الذهاب إلى العراق، والآخر حسن الذي يرفض أن يترك بغداد ويعتبر أن اللجوء أمر مشين ولديه أن الموت في انفجار في بغداد أكثر كرامة من اللجوء إلى أوروبا، ويعرض الفيلم نقاشات غير مجدية بين الأصدقاء الأربعة حول جدوى الهجرة. ثم تتوقف بنا الكاميرا أمام وجه باسم اللبناني  واصفًا كم كانت بيروت جميلة وقت الحرب، وكم هي كريهة وكاذبة الآن، وأن القاهرة على قبحها إلا أنها لا تخفي هذا القبح ولا تعد البشر بأكثر من ذلك. يعود الأصدقاء كل إلى البلد الذي يعيش فيه على وعد بإرسال مقاطع فيديو من المدن التي يعيشون فيها إلى صديقهم خالد علها تفيده في فيلمه.

البحث عن الماضي في عالم متداعِ

يجسد الفيلم مشاعر الحنين والفقد في أقسى صورها، فحنان الفنانة المسرحية، إحدى بطلات فيلم خالد، تبحث عن ذكرياتها في منزل عائلتها في الاسكندرية والذي قرر صاحبه هدمه وبناء مول تجاري بدلًا منه، وتصف في حنين ويأس كيف شهد المنزل طفولتها وطفولة والدتها. وخالد يبحث عن ماضيه من خلال الذهاب لأبلة فضيلة ليسألها عن والده الذي كان يعمل معها وحيث اعتاد اصطحاب خالد معه، وعندما ذهب خالد إلى أبلة فضيلة وجد أن كل شيء قد اعتراه التغيير في مبنى الإذاعة وأبلة فضيلة لا تذكر شيء عنه ولا عن والده.
كل شيء باهت وساكن وأي مشاعر تعد بلا معنى، يتألق خالد السعيد في عرض تعبيراته الجامدة التي لا توحي بحزن ولا فرح، فهو إلى جانب ضياعه الشخصي في الحياة يعيش وضعًا مأزومًا على كافة المستويات المادي والعاطفي والعائلي، فوالدته مريضة على مشارف الموت وأمواله لا تكفي لاستئجار شقة أحلامه، وحبيبته تركته وقررت الهجرة وترك مصر نهائيًا، لم نر خالد غاضبًا أو باكيًا أو منفعلًا، فقط حزن عميق يسكن عينيه ويعبر عن نفسه في حركاته وسكناته. الأصدقاء الأربعة يمثلون المرثية العربية مصغرة في افتقاد كل منهم لمدينته الحبيبة التي تغيرت فلم يعد يعرفها.

عشوائية ما قبل النهاية

في مشاهد متداخلة يعرض لنا تامر السعيد لقطات من احتفالات المصريين بنتائج مباراة مصر والجزائر الشهيرة، ولقطات أخرى لمصريين يصلون في عرض الشارع في فوضى تامة، ثم سرعان ما ينقلنا إلى مظاهرات كفاية ضد توريث الحكم عندما يصدح المتظاهرين بهتاف: “يسقط يسقط حكم العسكر، مصر دولة مش معسكر” ليرتبك المشاهد قليلًا بخصوص توقيت التظاهرة هل كانت بعد الثورة أم قبلها، لنتذكر سريعًا، أن سقوط دولة العسكر لم يكن مطلبًا جديدًا في الثمانية عشرة يومًا، وهنا يضعنا تامر في ذروة الشعور بالإحباط والغضب والحزن.

يستمر تامر في عرض التسطيح الذي أصبحت القاهرة غارقة فيه، من خلال مشهدين غاية في الوضوح، الأول عندما يذهب خالد في موعده المضبوط لرؤية إحدى الشقق لاستئجارها، ليكتشف أن أصحاب الشقة حرصوا على الصلاة في موعد وصوله تاركينه ينتظر أمام الباب كما أن الزوج أخلف وعده وخرج لبعض شؤونه بلا أي اكتراث. ثم ينقلنا المخرج مرة أخرى إلى إحدى صور تسطيح الدين المتمثلة في كثرة الملصقات الداعية للحجاب والصلاة في إلحاح يشعرك أن الناس لا يريدون أن يكونوا مؤمنين، بل إن المصعد نفسه به مذياع يذيع بلا توقف دعاء ركوب الدابة.

خالد .. التائه الشاهد على سقوط المدينة في هدوء

أحداث الفيلم كلها تدور في إطار رحلة خالد الشاقة من أجل صنع فيلم ضاعت منه ملامحه، وكل ما عرض من مشاهد، لعب خالد دور المتفرج السلبي عليها أو تصويرها أثناء تحركه إما بحثًا عن شقة أو ذهابًا لمقابلة أحد أبطال فيلمه، أو في طريقه لزيارة والدته.
استبدل تامر السعيد في الفيلم تيمة عرض القبح في عشوائية المعمار والمباني في القاهرة بصورتين غاية في التأثير: الأولى: سماء القاهرة الصفراء المغبرة والمعكوسة بالمقلوب على مرآه معلقة بجانب نافذة غرفته التي لا يفتحها ليحجب نفسه خلفها عن ضجيح القاهرة وتلوثها، والثانية مشاهد الهدم، هدم البيوت في الاسكندرية والتي عرضت في تفصيل وبطء على خلفية صوت نور الهدى وهي تغني جارة الوادي.
ينتهي الفيلم بمشهد لحسن، الشاب العراقي الذي رفض الهجرة، والذي لقي حتفه في تفجير في بغداد، وكان قد صور هذا المشهد لنفسه في قارب في النهر كما كان متفقًا بين الأصدقاء علهم يساعدون خالد في إتمام فيلمه المتعثر.

يلخص خالد السعيد كل العبثية والبؤس الذي شهدتهما مصر عشية الثورة، ليترك للمشاهد وقت انتاج الفيلم شعور بحتمية التغيير، الغريب في الأمر وبعد مرور 7 أعوام على إنتاج الفيلم وبعد أن رأينا في الواقع مرحلة ما بعد الفيلم إلا أنه انتابني نفس شعور الترقب حول ما يمكن أن تحمله سنوات ما بعد 2010 من تغييرات، فهل أنا كمصرية أصبت بحالة من إنكار الواقع المؤلم الذي نعيشه الآن، وتوقف بي الزمن عند لحظة بائسة (2010) لكن كان مازال هناك مساحة للحلم بالتغيير؟ أم أنه مجرد خداع عاطفي وعقلي مفاده أنني بهذا الشعور أطمئن نفسي بإمكانية تكرار تجربة الثورة مرة أخرى؟

أمل برلين | أسماء يوسف

Here is the trailer:

Dieser Artikel ist ursprünglich auf der Website von „Amal, Berlin!“ (link) erschienen und wurde mit Genehmigung von der Autorin Asmaa Yousuf übersetzt und veröffentlicht.