ما بعد الاختبار “الايجابي

زيارتي الأولى لطبيبة النسائيّة كانت كابوساً، والزيارة التي بعدها أيضاً، كلّ زيارتي الأولى كانت ممزوجة بالرّعب والتوتّر، وطبيبتي البرلينيّة اللطيفة تستغرب ردّة فعلي حينما تخبرني أنّ الحمل يسير بشكل طبيعي.

von ديمة البيطار قلعجي

مرّة، مرّتان، ثلاثة، سبعة، كان عدد المرّات التي قمت بها باختبار الحمل، وفي كلّ مرّة كانت النتيجة إيجابيّة.

على الطرف الآخر من باب المرحاض يقول زوجي: ” مهما أعدتِ الاختبار، ستكون النتيجة إيجابيّة، ألسنا متفقين على إنجاب طفل؟ ألا ترغبين ذلك؟ ”

هل أرغب ذلك؟

زيارتي الأولى لطبيبة النسائيّة كانت كابوساً، والزيارة التي بعدها أيضاً، كلّ زيارتي الأولى كانت ممزوجة بالرّعب والتوتّر، وطبيبتي البرلينيّة اللطيفة تستغرب ردّة فعلي حينما تخبرني أنّ الحمل يسير بشكل طبيعي.

كيف أستطيع أن أشرح لطبيبة في برلين، كمّ الغازات التي استنشقتها في كلّ مظاهرة شاركت بها في سوريا، لم تكن الغازات التي كانت قوى الأمن تطلقها تجعلنا نذرف كلّ مالدينا من دموع، ونستمر بالسّعال حتى نشعر أنّ رئاتنا تتمزّق فقط، لكنها أيضاً كانت تصيب البشرة بإحساس من الاحتراق يجعلنا نشعر أنها تتقلّص وستتمزّق عن لحمنا في أيّة لحظة.

منزلي الصّغير في دمشق، كان على بعد عشر دقائق من أحد الأحياء التي هاجمها جيش الأسد بالأسلحة الكيماويّة، لم أستطع التنفس جيّداً حينها، ولا أعلم، هل كان ذلك بسبب الأخبار فقط، أم أنني تأثّرت فعلاً.

خلال وجودي في سوريا، تنفسّت واستنشفت دخان وروائح كل الأسلحة التي لا أعرف لها اسماً ولا أرغب بأن أعرف أسمائها! والآن وبعد سنتين في مدينة بعيدة عن حيث أتيت، أسأل نفسي، هل من الممكن أن يؤثّر ذلك على طفلي؟

يعتقد العديد من السّوريّون اليوم أنّ عليهم التوقف عن إنجاب الاطفال إلى هذا العالم، هي دعوة إلى العقم، أحد الأصدقاء يرى أنّ أيّ اثنين يقومان بالانجاب تجب محاكمتهم بتهمة الشّروع بالقتل.

عليّ الاعتراف، أنني و قبل عام واحد فقط، لم أكن بعيدة جداً عن هذا الرّأي، لكنني اليوم أحمل صورة بالموجات فوق الصوتية لطفل ينمو في رحمي، ويقفز السؤال في رأسي مجدداً، ماذا بجب أن أفعل؟

أيّة جنسيّة سيحمل هذا الطفل؟ بالتأكيد لن يتم الاعتراف فيه كألماني عند الولادة، لكنه لن يحمل أيّة أوراق سوريّة أيضاً.

ماهو وطنه؟ أهو ألمانيا؟ أم سوريا؟

هل ستتم إلصاق كلمة “لاجئ” به في المدرسة وبين أصدقائه؟

وهل أرغب أنا بتعريضه لهذه التحديّات بماهيّة هويّته؟

ربّما بعد كل هذه الأفكار والاسئلة لا يعتقد أحد أنّ عليّ أن أقوم بإنجاب هذا الطفل، ولكنني سأفعل.

حتى نهاية حياتي سيبقى سؤالٌ مشنوقاً في رأسي بلا إجابة، ما الخطأ الذي ارتكبناه حتى نستّحق كلّ هذا؟ ألا حقّ لنا بالحلم بوطن، يكون الانسان به انساناً، لا رقماً محكوما بالخوف والاذلال من قبل ديكتاتوريّة حمقاء.

ربمّا سينجح طفلي حيث فشلنا، سأخبره عن السوريين الشجعان، الذي أحبّوا الحياة إلى درجة أنهم ماتوا لإجلها، وربما لن أكون حاضرةً في ذلك اليوم ولكنه طفلي سيكون، حين يحصل السّورييون أخيراً على الوطن الذي حلموا به.